أخبار عاجلة
الرئيسية » أخبار البحرين » آية الله قاسم: التموضع الجديد
آية الله قاسم: التموضع الجديد

آية الله قاسم: التموضع الجديد

أجرى آية الله عيسى قاسم، الزعيم الديني والسياسي المعروف، تحولا نوعيا في تموضعه السياسي، منذ وصوله إلى مدينة قم، في فبراير(شباط) ٢٠١٩، مقره الجديد في المهجر القسري.

والتأثير الأهم، الذي حققه المرجع البارز،  لا يتعلقفقطباعادة الحياة لشرايين المعارضة، التي أصيبت بنوع من الشلل، بين ٢٠١٥٢٠١٨، وإنما في قدرته على أن يفتح ذراعيه وقلبه ومكتبه، ويتخذ موقع الأب والحضن، لمختلف ألوان الطيف المعارض.

التعددية في قم

مع وصوله إلى مدينة قم، قدّم قاسم نفسه أبا روحيا لمختلف القوى السياسية المعارضة، فـجميعكم أولادي، كما يردد، أمام الجماعات التيانفتح عليها، وفاجأها بخطاب عابر للأحزاب، منذ لحظة وصوله، غير المتوقعة.

في قم، المدينة التي يعرفها جيدا، وله فيها موطىء راسخ، بحكم دراسته الحوزوية العليا في تسعينيات القرن الماضي، لاحظ قاسم وجودتنوع سياسي أكبر من أي بلد آخر.

لن تجد في لندن أو بيروت أو العراق، أو أي عاصمة عربية أو دولية أخرى، تعددية كالتي تراها في المدينة الإيرانية الشهيرة، غير البعيدة عنالعاصمة طهران.

على أرض المدينة، التي تضم أبرز مكاتب المراجع العظام، وضريح ديني شهير، ينشط ألوان الطيف البحريني، بما في ذلك تيارأمل،وائتلاف شباب ١٤ فبراير، إضافة إلىتيار الوفاء، وحركة حقاللتين خرجتا من عباءةالوفاق، إثر خلاف يتعلق بالتعاطي معدستور ٢٠٠٢، والمشاركة في انتخابات البرلمان في ٢٠٠٦.

كما يوجد في قم جالية بحرانية كبيرة نسبيا، وتركز نخبوي وديني من مريدي قاسم وتلاميذه، وشخصيات دينية نافذة، أبرزهم الشيخ عبداللهالدقاق، ما يجعل منها قرية بحرينية مصغرة.

وقد منحَ وصول قاسم للمدينة الدينية: قم، ثقلا سياسيا، لا يضاهيه مكان آخر خارج الجزيرة الصغيرة، ودورا مهما لطهران في الحدثالبحريني، ما كان لها أن تحوزه في حال بقي عضو البرلمان المنتخب في ١٩٧٣، في مقره في الدراز، البلدة البحرينية، كثيفة السكان، التيعانت اضطهادا استثنائيًا وحصار لها ولزعيمها الروحي بين ٢٠١٦٢٠١٨.

التموضع الجديد

تقليديا، ينظر إلى قاسم بمثابة أب روحي لكبرى الجمعيات السياسيةالوفاق، فقد ناصر قاسم خطط الشيخ علي سلمان للانخراط فيالبرلمان في ٢٠٠٦، بخلاف آراء أخرى وجدت المقاطعة أجدى.

الحال تبدل منذ ٢٠١١، بانخراط قاسم في دعم اعتصامات دوار اللؤلؤة، التي انطلقت بمساهمات من مختلف اللون السياسي المعارض،وأفرزت سقوفا متعددة، بضعها ناتج عن المناكفة السياسية.

بات قاسم منذئذ رمزا جامعا، وصمام أمان في نظر المعارضين. ومنذ ٢٠١٩، وبالنظر الى الحضور الجسدي لقاسم بين ظهراني مجتمع قم،اتخذ الاحتفاء به وبخطابه نبرة تأكيدية.

وجدنا عناية ملحوظة بمقولاته من مختلف الجبهات، بما في ذلك الجهات التي اعتادت اتهامالوفاقباحتكار قاسم، فيما ترد الأخيرة بأنالانقياد برهان، فلا يتم وضع مقررات القائد على الرف، في حال أوصى بخلاف ما يعتقد الفصيل المعني.

وتواصلالوفاقالنظر إلى قاسم زعيما لا يرد قوله، وعادة ما يناديه قادتها ورموز تيارها الواسع، من الدينيين والسياسيين، بـالوالد“.

وهذا النوع من التأييد يزعج الحكومة التي ترى الالتفاف حول قاسم بمثابةولاية فقيه، لكن جمع شتات المعارضة هو ما يقلق الحكم، حتىلو كان تحت شعار علماني. والتفاف المعارضين حول قاسم طوعي بالدرجة الأولى.

سد الفراغات

يُصدر قاسم بيانات على نحو شبه دائم، ويشارك في ندوات، ويعلق على الأحداث المحلية الحقوقية والسياسية، وكان لافتا  اصداره بيان نادرعن محنة الوقف الشيعي.

لا يوجد شخصية في مقامه، بهذا القدر من النشاط والمتابعة لمجريات الساحة.

نراه ينخرط في السجال الاقليمي، وأحيانا يصعب على البعض ادراك تموضعه المحلي، وصفته الأوسع كمناضل اسلامي ضد الامبرياليةالامريكية.

وبحيويته، ومشاركاته المتعددة، أعاد رجل الدين والسياسة، الذي بات محل اجماع أغلب المعارضين، الحياة إلى شرايين القوى المتعددةالسقوف، بعد أن أصيب حراكها بهزال بالغ، إثر اعتقال الشيخ علي سلمان (ديسمبر ٢٠١٤)، ووقوع قاسم في إقامة جبرية خانقة، منذ يونيو٢٠١٦، لم تنفك إلا بمغادرة الرجل الثمانيني إلى العاصمة البريطانية لندن، لتلقي العلاج، في يوليو ٢٠١٨، إثر جهود كبيرة بذلها رفيقه فيالنضال الطويل، السيد عبدالله الغريفي، الرجل الثاني في التراتبية الدينية للجماعات الاسلامية السياسية، في البحرين.

فرصة نادرة

لا يُعرف مدى قدرة المعارضة على تشكيل جهاز فاعل، قادر على مجاراة أجهزة الحكم، كما لم يختبر بعد إن بلغ التنسيق بين المعارضين،مؤخرا، مرتبة إيجاد آلية لحسم التباينات بين أصحاب السقوف المتعددة،

لكن كل طرف منهم يجد في خطاب قاسم مبتغاه، ولا يتردد المنتمون إلىالوفاءوأملوحقوالائتلاففي اعلان التأييد لاطروحات آيةالله، وهو أمر يمكن اعتباره جديدا بهذا القدر من الوضوح.

ويدفع ذلك للقول بوجود فرصة نادرة لتشكيل اطار تنسيقي، أو جهاز يسمح بتبادل الرؤى بين المختلفين، الذين أصبحوا يعلنون القبول بتقييمقاسم أوحكمه، في حال فشلوا في حسم خلافاتهم، كما ان حدة الخلافات بين الفصائل باتت قابلة  للادارة، وجميعهم يعلن الولاء صراحةلقاسم، وهو تحول فريد.

التحدي القادم

في فبراير الماضي، حين تحدث قاسم عن كتابة دستور جديد، حاول كل طرف تجيير تلك الدعوة نحو منحى معين، ما يعكس التجاذباتوالتعقيدات المتوقعة.

المتأمل في مقولاته يخرج بنتيجة لا لبس فيها، بأن الخط الأساسي لقاسم يستند إلى تسوية سياسية وطنية شاملة، بناءً على حوار جامع.

التحدي يبقى ماثلا، في حال الولوج إلى تسوية مثيرة للجدل، فقد يفتح التواصل مع الحكومة بابا لعودة التنابز بالألقاب بين المعارضين.

مؤخرا، لاحظنا ان الجهود التي بذلها قاسم، تدفع أغلب الأطراف للتعبير عن مكنوناتها، بلغة لا تفسر على أنها تعد على فصيل شريك.

لكن تحديالوحدة والقراريبدو معقدا، فعدم اتخاذ قرار يجلب وحدة مدعاة، ويخلق جمودا، فيما يصعب جميع المعارضين ازاء تسويةيصعب توقع ان تكون مكتملة الأركان او ترضي الجميع.

التسويات بطبعها أنصاف حلول، وهذه معضلة أخرى يواجهها قاسم، الذي ابقى شعلة الانتفاضة قائمة، وركز على الحلول السياسية لاالجزئية، لكنه بحاجة الى اوراق تفاوضية كي يعيد التركيز الى الأزمة الدستورية في البلاد، وهذا يستدعي نقاشا حول الوضع على الأرض،وتموضع الحكم وداعميه الدوليين والاقليميين ، مثل أمريكا والسعودية، الذين لم ينتقلوا بعد ليكونوا جزء من الحل. إنه نقاش ممتد.