أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » المرأة الخليجية بين الحلبة والزنزانة … د.سعيد الشهابي
المرأة الخليجية بين الحلبة والزنزانة … د.سعيد الشهابي
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

المرأة الخليجية بين الحلبة والزنزانة … د.سعيد الشهابي

مشهدان متناقضان تماما تجسدا الأسبوع الماضي في المملكة العربية السعودية. الأول حلبة مصارعة في العاصمة، الرياض، شاركت فيها «المرأة» للمرة الأولى ممثلة بمصارعتين أمريكيتين جيء بهما بشكل خاص. الثاني يضم حوالي عشر نساء يرزحن وراء القضبان بسبب مطالبتهن بحقوقهن السياسية والمدنية. إنه مشهد يتكرر الآن في بعض دول الخليج ومنها البحرين والإمارات. المصارعتان «الضيفتان» كانتا «مؤدبتين جدا»، فلم تتطرقا لزميلاتهن المعتقلات، ولم تقدما أي احتجاج على سياسات الاضطهاد والقمع التي تمارسها حكومة خادم الحرمين الشريفين بحق النشطاء، رجالا ونساء. ومن المؤكد أنهما لم تتطرقا لجريمة قتل الإعلامي جمال خاشقجي قبل عام في القنصلية السعودية في اسطنبول. كانتا «محترفتين» جدا، واكتفتا بارتداء لباس «محتشم» يستر أغلب أجزاء الجسم «احتراما» للعادات المرعية.

بعض الفنانات رفض في السابق حضور حفلات في السعودية احتجاجا على سوء معاملة المرأة ومنهن نيكي ميناج التي فعلت ذلك في شهر تموز/يوليو الماضي. هذه المحاولات للتظاهر بليبرالية مفرطة خارج السياق التاريخي للجزيرة العربية توازيها سياسات أخرى لتوجيه المرأة السعودية بعيدا عن أجواء الالتزام والدين، ومن ذلك السعي لإلغاء العباءة السوداء التي تعتبر زيا تقليديا للنساء في أغلب دول الخليج.

مشهدان مماثلان في البحرين أيضا. أحدهما تظهر فيه عضوات «منتخبات» في مجلس يسمى «برلمانا» يتطرقن لقضايا معيشية ضمن ماهو مسموح به. ولكنهن يمارسن رقابة صارمة بالكف عن مساءلة الحكومة عن 5000 سجين سياسي وأكثر من مئتي شهيد ومئات المحرومين من الجنسية. هذا المشهد يروج له على نطاق واسع لإظهار حقيقة متناقضة مع ما يجري وراء القضبان، ليس للرجال فحسب بل للنساء المعتقلات بسبب تعبيرهن السلمي عن الرأي. وقد برز اسم نجاح يوسف الأسبوع الماضي مجددا كمثال مروع لما تتعرض له المرأة البحرانية في سجون النظام.

ففي مقابلة مع صحيفة «اندبندنت» البريطانية أكدت معتقلة الرأي السابقة أنها تعرضت للتعذيب الذي وصل حد الاغتصاب. وعندما يبلغ الأمر بامرأة خليجية للحديث عن قضايا حساسة كالاغتصاب، فإن ذلك يؤكد مدى ما بلغه الوضع من ترد أخلاقي وحقوقي وسياسي. وربما كان بالإمكان تجاوز كلام نجاح يوسف لو كان الأول من نوعه. فقد سبقتها قبل عامين ابتسام الصايغ التي قضت في السجن ردحا من الزمن لأنها ناشطة حقوقية استنكرت ممارسات أجهزة الأمن القمعية. فكان نصيبها السجن والتعذيب والاغتصاب أيضا. أيحدث ذلك في بلد خليجي ما يزال حكامه يمارسون «التقوى» بمنع المراة من المشاركة في الحياة العامة كحق وليس منحة أو مكرمة؟ فما مصير نظام حكم يمارس التضليل بدون حدود لكسب دعم الحلفاء في لندن وواشنطن ولو كان ذلك على حساب المواطنين وحقوقهم. نجاح يوسف اعتقلت في العام 2017 بعد أن كتبت تغريدات دعت فيها إدارة سباق السيارات الدولية (فورمولا 1) لعدم إقامة السباق على حلبة البحرين نظرا لتردي الأوضاع السياسية والحقوقية فيها. وبعد الضغوط على إدارة السباق اعلنت انها ستتابع قضية نجاح التي اضطهدت وعذبت بسبب اصرار الإدارة على إقامة السباق. إنه جانب آخر من محاولات أنظمة الاستبداد استغلال الرياضة لتحقيق أهداف سياسية، كما هي حلبة المصارعة التي أقيمت في الرياض. وفي الحالين كانت المرأة الحلقة الأضعف فنالت من العذاب ضعفين.

مشهدان آخران يمكن ملاحظتهما بوضوح أيضا في بلد خليجي ثالث. فقبل ستة شهور توفيت الشابة الإماراتية علياء عبد النور في زنزانتها بعد أربعة أعوام من اعتقالها في 29 تموز/يوليو 2015. جاء الاعتقال بعد ضربها وركلها وتكبيلها ومنعها من ارتداء حجابها، وهي تغادر بيت الوالد برفقة سرية أمنية مدججة بالسلاح والكلاب البوليسية، وفق مصادر حقوقية. وطوال الأشهر الأربعة الأولى من الاعتقال، عاشت علياء رهينة إخفاء قسري في زنزانة انفرادية بدون فراش أو غطاء سوى الضوء القوي للمصباح المركز على جسدها، ضمن مسار تعذيب كانت تلك أبسط فقراته، بالإضافة إلى المنع من زيارة الأسرة أو معرفة مكان اعتقالها أصلا، وذلك ضمن حالة من «التسامح» على الطريقة الإماراتية! يتم تعذيبها معصوبة العينين لفترات تمتد لأكثر من 18 ساعة، إضافة إلى إجبارها على خلع الحجاب الذي يمثل جزءا أساسيا من الهوية الثقافية والدينية للإمارات العربية «المتسامحة».

إن تعيين بضع نساء مقربات من العائلة المالكة في السعودية في مناصب عليا لا يعني ضمان حقوق المرأة

وقد رفضت السلطات الإفراج عنها حتى عندما اتضح أن أيامها معدودة بعد انتشار المرض في أنحاء جسدها المنهك. المشهد الآخر ما تعكسه آلة الدعاية الإماراتية من انفتاح على الغرب وتسامح مع رجال أعماله، ودعم المشاريع الكبرى في العواصم الغربية.

ليس سرا القول إن شعوب هذه الدول تبحث عن إصلاحات سياسية حقيقية، وتناضل منذ عقود لتحقيق ذلك. ولكنها تقابل دائما بالعنف السلطوي الذي ليس له حدود، بل يصل لقطع الرقاب وصلب الأجساد. وعندما تطرح قضايا المرأة واضطهادها فإن ذلك تعبير عن مصادرة حقوقها كمواطنة، بعيدا عن التنميط والاستغلال. فتعيين بضع نساء مقربات من العائلة المالكة في السعودية في مناصب عليا لا يعني ضمان حقوق المرأة. فعندما عينت ريما بنت بندر سفيرة للمملكة في واشنطن صفقت الأبواق الإعلامية الرسمية لذلك، وعرضته كمصداق لـ «الإصلاحات» التي يقوم بها ولي العهد السعودي. ويلاحظ أن العديد من الخطوات التجميلية صدرت بعد جريمة قتل خاشقجي، بهدف توفير شيء من الحصانة للنظام وعناصره. ويعلم الغربيون أن إجراءات كهذه لا تعني صون حقوق المواطنين. كما أن فتح الملاهي والنوادي الليلية والمراقص بالقرب من الأراضي المقدسة في مكة والمدينة ليس انعكاسا لمشروع إصلاحي واسع، بل ترقيع لنظام بال لتخفيف الانتقادات المتواصلة خصوصا من المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام العالمية. ما تريده المرأة السعودية أو البحرانية أو الإماراتية أن تعامل كإنسانة أولا، لها وجودها المستقل وحقوقها المدنية والسياسية وكرامتها التي منحها الله اياها، ومواطنة لها كامل حقوق المواطنة التي نصت عليها المواثيق الدولية خصوصا العهدين الدوليين حول الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ثانيا وصون حريتها وكرامتها وأمنها، ثالثا. إن فتح الملاهي والحوانيت وفرض سياسة التغريب الشامل ليس من المطالب في شيء.

وبدلا من إطلاق سراح المعتقلات السياسيات مثل لجين الهذلول ونسيمة السادة تسعى السلطات لحرف النقاش بعيدا، وتوجيهه نحو السياسات «الانفتاحية» في مجالات الأخلاق والقيم والممارسات الشخصية. فمن يعترض الآن على فتح الملاهي والمراقص بالقرب من المقدسات الإسلامية سوف يعتبر رافضا لسياسات الانفتاح وتحرير المرأة، ويربط بالتزمت الديني الذي يؤدي أحيانا للعنف والإرهاب.
ومن مشاكل المنظومة الحقوقية إن العاملين في إطارها ضمن مؤسسات المجتمع المدني يفتقرون للقدرات التنفيذية، فينحصر نشاطهم بالترويج الإعلامي ومخاطبة السلطات لحملهم على تقديم ما لا يملكون.

هؤلاء الحكام أوكلوا مهمات الأمن والتصدي للمعارضين لوكلاء محليين وخارجيين للتعاطي مع حركات المعارضة بقسوة ومنع قدرتها على التصدي لنظام الحكم أو المطالبة بإصلاحات حقيقية.

وهذا يكشف عمق الابتعاد القيمي عن منظومة حقوق الإنسان والعهدين الخاصين المذكورين.
المرأة الخليجية تستحق الاحترام والتقدير والاعتراف بنضالها المتواصل الذي نجم عنه اعتقال العشرات منهن خصوصا في السعودية والبحرين، واستشهاد بعضهن كذلك. والمطلوب تأكيد وحدة العمل المعارض للاستبداد والظلم والتطبيع مع العدو، فهو يتجاوز الاعتبارات الدينية والمذهبية والحزبية، ويرتبط بالقيم الإنسانية التي تتصدرها الحرية والعدل والمواطنة المتساوية وحسن توزيع الثروة. وفي إطار التصدي من أجل نيل الحقوق يجدر بالنشطاء التمتع بنظرات سياسية وإنسانية عميقة والابتعاد عن منطق القبيلة أو الطائفة أو الدين. كما يجدر بهؤلاء النشطاء والمنظمات الحقوقية الدولية تأصيل مبادئ الحرية والانفتاح والحوار، للخروج من أزمة الاختناق السياسي المهيمن على المنطقة واستعادة المبادرة لترويج حقوق الشعوب. أما سياسة التضليل فلن تحقق شيئا سواء للنظام أم المواطنين.

جريدة القدس العربي