أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » #الملف_الشيعي.. آفاق التسوية والانفجار
#الملف_الشيعي.. آفاق التسوية والانفجار

#الملف_الشيعي.. آفاق التسوية والانفجار

بقلم: محمد المنصور

لم يهدأ الحراك السياسي في المنطقة الشرقية المتربعة على آبار النفط, شريان الاقتصاد السعودي, منذ سيطرة الملك عبدالعزيز بن سعود على أراضي القطيف والأحساء بين عامي 1912/1913 غير أن الانتفاضة المطلبية التي انفجرت فبراير 2011 بزخم جماهيري غير مسبوق هي الأطول عمراً والأعمق تأثيراً والأوسع انتشاراً ولا تزال تشظياتها وتموجاتها السياسية والاجتماعية والأمنية تتفاعل باضطراد حتى اللحظة رغم مرور 5 أعوام على اشتعال شرارتها الأولى.

الانتفاضة جذور ومطالب

لا تولد ثورات الشعوب وانتفاضاتهم بلا أسباب ومبررات، فالبركان الجماهيري الغاضب انما ينفجر بعد تكامل المقتضيات والعوامل التي تدفعه للجوء إلى الشارع كخيار أخير ووحيد, بعد انسداد أفق الخيارات والحلول الأخرى التي غالباً ما تكون أقل كلفة بشرياً ومادياً وأمنياً. فالشعوب تعلم وتدرك بشكل مبكر الفاتورة الباهضة للثورة والانتفاضة على الأنظمة الاستبدادية الحاكمة بمنطق الحديد والنار، لكنها تصرّ على اقتحام الميادين والشوارع وتقديم التضحيات الجسام من الدماء والأوراح والممتلكات حين تفقد الثقة في كل البدائل الممكنة والتي سبق لها أن خاضت غمارها طوال سنين متعاقبة دون إحراز النتائج المرجوة، فلا يعود لديها أمل في شيء غير السعي لقلب المعادلة المفروضة عليها بإزاحة الصمت والتكتم الذي يفرضه النظام على الشعب ويحمي به ممارساته القمعية ضد المطالبين بالحقوق والحريات والعدالة.

في الأحساء والقطيف يُشكل السكان الأصليون غالبية شيعية, رغم لجوء النظام السعودي إلى سياسات وخطط التغيير الديموغرافي، وتختزن الذاكرة الشيعية تاريخاً ممتداً لقرن كامل من الحراك والنشاط السياسي والمطلبي والانتفاضات الشعبية ضد خطط التهميش السياسي والحرمان الاقتصادي والتنموي والإقصاء الإداري وقمع الهوية المذهبية والثقافية، وقد راكم المجتمع الشيعي طوال هذه العقود خبرات وتجارب صقلت وعيه وكفاءاته السياسية وكونت حواضن لانتاج النخب الفاعلة سياسياً، في حين اكتفى النظام باللجوء وبشكل مستمر إلى مواجهة الحراك السياسي الشيعي أياً كان مستواه ومهما تنوعت وسائله وبغض النظر عن ماهية وحجم مطالبه وشعاراته ولغة خطابه عبر الحلول الأمنية العنيفة ومحاولات الإلتفاف على المطالب الشعبية بتسكين النفوس عبر سيل الوعود التي سرعان ما تتبخر حالما يستشعر النظام أنه استعاد سيطرته على الشارع كما حدث في أعقاب انتفاضة العام 1400/1979 أو على القوى المعارضة كما هو الحال في أعقاب الاتفاق الذي أبرمه الملك فهد مع المعارضة الشيعية بعد الحوار بين عامي 1992/1994، فضلاً عن استهانة النظام واستهتاره بالعرائض المطلبية التي قدمها وجهاء الشيعة في القطيف والأحساء طوال 100 عام من عمر المملكة حيث واجههم الملوك والأمراء بالمماطلات والتسويف وتعليق الاستجابة على الظروف والزمن وإن حدث تجاوب مع بعض تلك المطالب فيبقى محصوراً ومحدوداً في إطار ضيق من التلبية الجزئية لبعض الحاجات الخدمية الملحة كتعبيد طريق أو بناء مستشقى!!

لا شك أن أحداث ما عُرف بالربيع العربي ساهمت بشكل كبير في تهيئة المناخ لانفجار الانتفاضة الشيعية في القطيف والأحساء، لكن الحقيقة الأهم بالنسبة للمراقبين السياسيين المتخصصين في شؤون المملكة هو أن “المنطقة الشرقية” وبعكس بقية المناطق كانت تتوفر على العوامل والمقتضيات ومهيأة لاستقبال شرارة التفجير التي تلقفها الشبان والنخب السياسية والدينية والاجتماعية رجالاً ونساء على حدٍ سواء فوجدنا الشوارع تصطخب وتموج بمئات الآلاف من المتظاهرين ومن مختلف الأعمار والتوجهات والفئات والمستويات والتيارات وكلها تنادي بذات المطالب والشعارات.

بدأت التظاهرات ببضعة آلاف وفي رقعة جغرافية محدودة، رُفعت خلالها مطالب واضحة، محددة، واقعية، وغير مكلفة سياسياً, أي لا تشكل كسراً لإرادة وهيبة النظام السياسي أو السلطة الأمنية، تلخصت في اطلاق سراح 9 معتقلين قضوا في السجون حتى ذلك الحين 16 سنوات دون تهم محددة أو محاكمات، اضافة لشعارات عبرت عن رفض سياسات وممارسات التمييز الطائفي والاساءات المذهبية للشيعة في المناهج التعليمية والدوائر الرسمية والاعلام المحلي.

تعنت النظام ولجأ لمطاردة المتظاهرين وشنّ حملة اعتقالات شملت العشرات، وسرعان ما اتسعت رقعة التظاهرات من القطيف إلى الأحساء، وتصاعدت أعداد المشاركين فيها، وتنوعت وتجذرت الشعارات والمطالب، ودعم العلماء الشيعة من على منابر المساجد مطالب المتظاهرين، ما سبب صدمة للسلطة السياسية والأجهزة الأمنية فراحت تعمل في وقت متزامن في اتجاهات متعددة لم تختلف ولم تتجاوز عقليتها في المعالجات الأمنية والالتفاف على المطالب الشعبية، فاستدعت الوجهاء وعلماء الدين وطالبتهم بتهدئة الجمهور ودعوته للتوقف عن التظاهر، غير أن محاولة هؤلاء باءت بالفشل خصوصاً وأنها تزامنت مع دفع السلطة بفرق قوات الطوارئ والمهمات الخاصة إلى الشوارع ومنحهم صلاحية اطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين والمارة فسقط أول شهيد الشاب ناصر المحيشي أثناء عودته من مقر دراسته في المعهد الثانوي الصناعي مساء الأحد 20 نوفمبر2011، كما لجأت السلطة إلى فرض طوق أمني على المنطقة بكاملها عبر عشرات الحواجز الأمنية المدججة بالسلاح والتي انتشرت على امتداد محيط المدن والبلدات، والشوراع الرئيسية المؤدية الى المحافظة، ما ساهم في خنق الحركة المرورية ورفع مستوى الاحتقان والضجر جرّاء تعطيل مصالح المواطنين وتأخير اسعاف المرضى.. الخ.

وعلى عكس ما خططت له السلطة واستهدفته من خلال التصعيد الدموي الذي راح ضحيته 3 شبان خلال يومي 20 و21 نوفمبر 2011 حيث قتل برصاص القناصة الشهيدان علي الفلفل وعلي آل قريريص في تظاهرة غاضبة طالبت بتسليم جثمان الشهيد المحيشي، تصاعد الغضب وانفجرت كل شوارع القطيف وقراها بالتظاهرات والشعارات المناوئة للنظام والأسرة المالكة وأحرقت صور الملك عبدالله والأمراء سلطان ونايف تعبيراً عن تجذر المطالب الشعبية والاتجاه إلى رفض كل ما يمتّ إلى النظام بصلة.

لم يعد النظام في نظر المتظاهرين الشيعة هو فقط السلطة الظالمة التي تحرمهم حقوقهم وتصادر حرياتهم وتمارس التمييز الطائفي والاقصاء والتهميش السياسي بحقهم، بل أصبح هو السلطة التي تقتل وتعتقل وتعذب شبابهم، وهي رسالة قرأ الشيعة مضامينها ومدلولاتها الكاشفة عن إصرار النظام على التمسك بسياساته في التنكر للمطالب الشيعية.

هكذا راح المتظاهرون يرفعون سقف مطالبهم إلى تلبية التطلعات السياسية والاستحقاقات المؤجلة، في رد مباشر على تصعيد السلطة للعنف، وبدا الموقف ملتهباً وأنه يسير نحو نقطة اللاعودة، ومع تتابع قافلة الشهداء والجرحى والمعتقلين، أكدت قيادات الانتفاضة في الداخل والخارج وعبر مختلف الوسائل الإعلامية ومنابر الخطابة والتواصل الاجتماعي تمسّكها بتحقيق المطالب في المشاركة السياسية والادارة المحلية لشؤون المنطقة وإقرار الخطط التنموية الشاملة للمناطق الشيعية التي استثنيت دائماً وطوال 7 عقود من خطط التنمية والتطوير والإعمار، كما تمسك المتظاهرون بحق القصاص لدماء الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن اصدار قرارات سفك الدماء، واطلاق سراح كافة السجناء السياسيين سنة وشيعة.

وقابلت السلطة التصعيد الشعبي لمروحة المطالب والشعارات بعنف أكثر دموية فدفعت بالمدرعات إلى الشوراع والأحياء السكنية وراحت أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين تتزايد فيما اكتفت السلطة باتهام مسلحين مندسين وسط المتظاهرين باطلاق الرصاص، الأمر الذي كذبه المتظاهرون عبر توثيقهم للحوادث بمقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية، ما دفع القوات الأمنية إلى استهداف المصورين واغتيالهم بهدف منع التوثيق والحيلولة دون توافر أدلة تفضح عنف السلطة وخططها الأمنية، ومن بين الشهداء المصورين الذين كانت الكاميرا القاسم المشترك بينهم: علي الفلفل، أكبر الشاخوري، زهير السعيد، وحسين الفرج.