أخبار عاجلة
الرئيسية » أخبار البحرين » حيث لا تهدأ #الشوارع ولا #الجدران: الإبقاء على رائحة #الاحتجاج في #البحرين
حيث لا تهدأ #الشوارع ولا #الجدران: الإبقاء على رائحة #الاحتجاج في #البحرين

حيث لا تهدأ #الشوارع ولا #الجدران: الإبقاء على رائحة #الاحتجاج في #البحرين

في العادة، لا تتوقف رائحة الاحتجاج عن النفاذ أو الخفوت في أجواء البحرين، حتى حينما تشعر بعض الأقدام والقضبات التي تخرج في التظاهرات أنها بحاجة للاستراحة القليلة، أو التواري عن حملات القمع؛ فإن الشوارع والجدران تبقى تُذكّر العابرين ومنْ يهمه الأمر بأن شيئا من الاحتجاج مرّ من هنا أو هو على وشك أن يأتي.

يقول أحد النشطاء الميدانيين إن ذلك لا يعني أن هناك “تنسيقا مباشرا ودائما” بين منظمي الاحتجاجات، ولكنه يتحدث عن سياسة عدم “إخلاء الساحة من الاحتجاج، ولو بإطار مشتعل أو فعالية (حمد تحت الأقدام)”. يضيف الناشط: “إن الإبقاء على رائحة الثورة بعد راحة اضطرارية أو طبيعية بعد برنامج حافل بالتظاهر؛ هو أمر يُشبه المحافظة على اللياقة الصحية بعد نهاية برنامج رياضي طويل”.

على النحو نفسه، يرى معارض بحراني “أن الثورة تُصاب بالفتور والترهل حينما تبقى صامتة أو محفوفة بالتواري”، ويؤكد أن البحرانيين استطاعوا “ابتكار العديد من وسائل (التحمية الثورية) من غير انقطاع”، ويسارع المعارض ويشدد في حديثه لـ(البحرين اليوم) بأن “عدم الانقطاع هنا ليس تعبيرا مجازيا، بل هو حقيقي وبمعنى الكلمة ويعبر عن استمرار فعلي ويومي لوسائل الاحتجاج في البحرين”.

يرى مختصون في علم الكفاح والاحتجاج بأن كثيرا من الثورات تفقد أو فقدت بريقها وأنفاسها لأنها “كرّست صوتها وأسلوبها في لون واحد من الاحتجاج، سواء الاحتجاج الشعبي أو الثوري أو الكفاح المسلح، وهو ما يجعلها غير قادرة على البقاء باستمرار في المشهد، لأن تغيرات الظروف وصعوبة ضمان الأجواء المريحة على طول الخط؛ يؤثر سلبا على قدرة توفير المستلزمات المادية والبشرية”.

بحسب درس الثورة في البحرين، فإن المطلوب هو “أن تبقى هناك رائحة، وبعد ذلك يمكن التفكير والعمل على توسيع نطاق شعلة الاحتجاج، سواء لجهة كثافة المشاركين أم في امتداد المشاركة زمانا ومكانا”. ولذلك يجتهد المعنيون بإدارة النشاط الميداني على ابتكار فنون الإبقاء على “رائحة الثورة”، مع الحرص على اختيار ما فيه أقل كلفة وأمناً، وأكثر إيصالا للرسائل.

الكتابة على الجدران والرسومات لم تتوقف طيلة سنوات الثورة، وتكشف جداريات ثورة ١٤ فبراير عن نجاح واسع في تحويل هذه الجدران إلى “ناطق دائم” للثورة، وبالتالي الإبقاء على رائحتها “وروحها” طيلة الوقت. وفي هذه الوسيلة أيضا، حرص الناشطون على التنويع واستعمال أدوات مختلفة في تنفيذها، وعدم الاكتفاء بكتابة الشعارات أو طبع الصورة الجدارية والصور الفوتوغرافية.

إلى جانب ذلك، كانت الشوارع مساحة مفتوحة للاحتجاج منذ الأيام الأولى لاعتصام دوار اللؤلؤة. وقد كانت الشوارع المحيطة بالدوار، وخاصة في الأيام الأخيرة للاعتصام ومع التهديد باقتحامه؛ محطة أساسية للتعبير عن الثورة وتمديد صوتها. ولكن الدور البارز الذي لعبته الشوارع في هذه الفترة كان مع بدء تحويلها إلى عنصر في العصيان المدني والاحتجاج الصارم ضد النظام، وذلك بإغلاقها ووضع الأحجار والأدوات المختلفة على امتدادها، وهو الأسلوب الذي سيكون معتمدا لاحقا في برامج العصيان المدني، وما يرافقها من إغلاق محكم للشوارع لمنع اقتحام المركبات العسكرية للبلدات ودهس المحتجين.

سرعان ما أصبحت الشوارع تتولى غرضا احتجاجا مهماً على صعيد “تحمية الثورة”، وذلك مع الفعالية المعروفة باسم “حمد تحت الأقدام”. (شاهد الفيديو: هنا) هذه الفعالية ليس لها وقت أو مناسبة محددة، كما أنها يمكن أن تُنفذ في كل مكان، وبما يُتاح من أدوات للكتابة. وهذا ما سمح بأن تكون شائعة، ومتاحة في كل الظروف الأمنية. هناك من يجد ظروفا مناسبة للإبداع في تنفيذ الفعالية، فيخطّ اسم حمد أو “يسقط حمد” على الشارع بحجم كبير وعلى أمتار طويلة. كما يجد البعض فرصا ملائمة للتفنن في كتابة اسم حمد على الدوارات، وإرفاق كتابة اسمه بكتابة شعارات ثورية أخرى.

رغم بساطة تقنية هذه الأسلوب الاحتجاجي، ولكنه يحقق أبرز الأغراض المطلوبة من أي احتجاج ثوري، فهو يبلغ رسالة واضحة من غير كلفة كثيرة أو مخاطر على منفذي العملية. ومفاد الراسلة واضح ولا يحتاج إلى مهارات في القراءة، بمن فيهم المرتزقة الذي يتولون محو العبارات، فهم يعرفون من هذه الفعالية أن هذا الحاكم غير مقبول للناس، وأن مصيره بالنسبة لهم لن يكون إلا تحت أقدام المارة والعجلات.

كذلك هناك فائدة مرجوة على صعيد الحرب النفسية تتحقق عبر هذا الأسلوب، وخاصة عندما يبدأ الاستنفار الأمني الذي يستولي على قوات المرتزقة وهي تهرع إلى محو اسم حمد من الشوارع، وقبل أن يتقاطر الناس وتتحرك السيارات ويكون حمد مداسا للجميع. وفي كثير من الأحيان تكون هذه القوات عاجزة عن إخفاء مشاعر الخيبة وهي تشاهد أمتارا طويلة من عبارة “يسقط حمد” على الشوارع.

تقول بعض تعريفات مبدأ “اللا عنف” بأنه أسلوب في العمل السياسي والاجتماعي يحاول أن يجعل “قوة الضعيف وملجأه الأخير مرتكزاً على إثارة الضمير والأخلاق لدى الخصم، أو على الأقل لدى الجمهور الذي يحيط به ويرمي إلى ترجيح كفة الحق والعدالة”. بالنسبة لثورة البحرين، هذا المستوى من العمل اللا عنفي هو مرحلة دُنيا، أو هو على الأقل جزء مرحلي من العمل اللا عنفي، لأنه غير كاف وحده وأقل محدودية في التأثير، وخاصة في العصر الراهن مع انقلاب الموازين وشيوع ألاعيب التواطوء والتحايل على المبادئ. في المقابل، فإن وسائل الاحتجاج “الصارمة” التي تقترحها الثورة تقول بأن العمل اللا عنفي ينبغي أن يركّز على إثارة السخرية والاستهتار والدونية لدى الخصم أو العدو، وأن يكون ذلك مترافقا على الدوام مع وسائل أخرى من العمل السياسي والإعلامي لجني الثمار أو الحصاد أو وضع النقاط على الحروف.