أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » دول الخليج: ترسانة أسلحة وامبراطورية تجسسية إلكترونية
دول الخليج: ترسانة أسلحة وامبراطورية تجسسية إلكترونية
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

دول الخليج: ترسانة أسلحة وامبراطورية تجسسية إلكترونية

لم يعد السباق بمنطقة الخليج محصورا على توسيع النفوذ السياسي او التسلح او الرغبة في الهيمنة فحسب، بل اصبح مجال التجسس خصوصا الإلكتروني منه، مجالا واسعا للتنافس، وان كان السباق في مضماره محاطا بالسرية، وقلما يظهر الى العلن. غير ان هذا التوسع المحموم فرض نفسه في السنوات الاخيرة على الساحة الإعلامية واخترق حدود السرية فرشح شيء منه. وما الاعلان الاسبوع الماضي عن اعتقال السلطات الأمريكية عناصر تجسس لصالح السعودية الا الفصل الأخير في مسلسل سباق ليست له حدود.

تظهر شكوى من وزارة العدل الأمريكية أن اثنين من الموظفين السابقين في تويتر ورجلا ثالثا من السعودية يواجهون اتهامات بالتجسس لصالح المملكة من خلال البحث عن بيانات شخصية خاصة بمستخدمين وتقديمها لمسؤولين سعوديين مقابل أموال. وربما يعتبر هذا النوع من التجسس اهون كثيرا من اشكال اخرى منه، تمارسه الدول المتحالفة ضمن ما يسمى «قوى الثورة المضادة». فما تقوم به السعودية والامارات والبحرين من اعمال تجسسية على مواطنيها يفوق ممارسات الدول الشرقية التي كانت منضوية ضمن «الاتحاد السوفياتي». وما اكثر الكتب التي صدرت حول تلك الأجهزة وشراستها خلال الحرب الباردة، بعضها توثيقي واغلبها خيالي، حتى اصبحت اسماء تلك الأجهزة مثيرة للخوف الشديد في نفوس الكثيرين حتى من غير مواطني تلك الدول ومنها «كي جي بي» الروسية «واستاسي». ومع أن الجانب الأكبر من نشاط تلك الأجهزة موجها للدول الغربية واختراق انظمتها الا ان جانبا كبيرا من نشاطها كان موجها للمواطنين العاديين خشية تمرد البعض على الانظمة القمعية آنذاك. ويعيد الحديث عن اجهزة الاستخبارات تلك الذاكرة الى الوراء عندما كان جهاز «السافاك» الإيراني مرعبا للطلبة والنشطاء خارج الحدود، فضلا عن القاطنين داخل إيران. كما كانت اجهزة الأمن لدى سوريا والعراق ومصر من أشد ما يخيف مواطني هذه الدول. وعندما صدرت في 1949 رواية الكاتب البريطاني جورج اورويل الشهيرة بعنوان «1984» وهي من صنع خيال الكاتب تماما، كان محتواها غير قابل للتصديق. ولكن فصولها بدأت في التكشف في السنوات الاخيرة، واصبح مصطلح «الاخ الكبير» تعبيرا رائجا، برغم محاولات التخفيف من وقعه واثره على نفوس الكثيرين.

لقد اصبح من الطبيعي للدول تشكيل أجهزة أمنية صارمة، خصوصا في عالم يفتقر للنزاهة والعدالة والمنطق، وتتجه انظمته السياسية نحو توسيع نفوذها من اجل مصالح سياسية واقتصادية. فأجهزة الاستخبارات لا تحصر نشاطاتها بالجوانب الأمنية ذات الطابع السياسي، بل توسعها لتشمل النمو الاقتصادي والتجاري لدى الدول المنافسة. فالغرب يتجسس على الصين مثلا للتعرف على اساليبها في الانتاج والتسويق. ويعزى الكثير من التطورات التكنولوجية لاجهزة الاستخبارات عموما والامريكية بشكل خاص. فهي التي تدير مختبرات البحث وتوظف العقول العلمية المتفوقة، وتنفق اموالا هائلة على مشاريع البحث. فمثلا اجهزة الكومبيوتر التي انتشرت على نطاق شعبي واسع منذ نهاية الثمانينيات كانت متوفرة لدى المخابرات المركزية الامريكية منذ الخمسينيات. ويمكن القول ان ما يسمى «الدولة الحديثة» تضاءلت صلاحياتها كثيرا بعد أن اصبحت أداة بأيدي اجهزة استخبارات بلدانها، فهي صاحبة القول الفصل في القضايا الكبرى، وان غلف ذلك بقرارات حكومية علنية.

التوسع الاستخباراتي الخليجي ليس ناجما عن يقظة عميقة للدفاع عن مصالح البلدان والشعوب، بقدر ما هو تعبير عن تشكل عقل لدى نخب حاكمة صغيرة يهدف لتوسيع النفوذ من جهة، وضرب المنافسين الاقليميين من جهة ثانية، واضطهاد المواطنين ومنع قيامهم باية حراكات سياسية ثالثا. ولذلك فعندما اعلنت واشنطن عن اعتقال الموظفين الثلاثة العاملين ضمن اجهزة «تويتر» للتجسس على حسابات النشطاء ونقل ذلك للاستخبارات السعودية، كان امرا مفاجئا للبعض بسبب الاعتقاد السائد بان السعوديين لن يمارسوا انشطة استخباراتية داخل امريكا التي لا تسمح بذلك عادة.

توجهت المملكة العربية السعودية نحو سياسات جديدة تهدف لتوسيع النفوذ الاقليمي والدولي من جهة والسيطرة المطلقة على المواطنين لمنع اي حراك ذي طابع سياسي من جهة أخرى

وما اكثر الحالات التي تم فيها تبادل طرد الجواسيس بين العواصم الغربية والشرقية خصوصا خلال الحرب الباردة. ومنذ صعود محمد بن سلمان قبل اقل من خمسة اعوام توجهت المملكة العربية السعودية نحو سياسات جديدة تهدف لتوسيع النفوذ الاقليمي والدولي من جهة والسيطرة المطلقة على المواطنين لمنع اي حراك ذي طابع سياسي من جهة اخرى، وادخال الرعب في نفوس مسؤولي دول مجلس التعاون الاخرى التي تصغرها سكانا ومساحة واقتصادا. ومع ذلك ما تزال الأجهزة السعودية بدائية جدا، فسرعان ما تنكشف خططها وتغضب اصدقاء الرياض.

وجاءت جريمة اغتيال الاعلامي جمال خاشقجي العام الماضي لتؤكد هشاشة النظام الأمني السعودي، ففي غضون ساعات من الجريمة اكتشف قدر كبير من تفصيلاتها وعناصرها. وما اكثر المقاطع المرئية التي تنتشر هذه الايام لممارسات اجهزة الامن السعودية، وما تمارسه من ذبح للنساء والرجال على اساس تهم لا تصمد امام التحقيق الموضوعي. فهل هناك اخفاق استخباراتي اكبر مما حدث في الاعوام الاخيرة؟ فقد شنت الحرب على اليمن بعد معلومات خاطئة اقنعت السياسيين والعسكريين بإمكان هزيمة اليمنيين. ولا تقل الدول الاخرى المتحالفة ضمن قوى الثورة المضادة انفاقا على أجهزة الأمن. هذه الأجهزة ليست مؤسسة على عقيدة راسخة بضرورة حماية المجتمع المدني وتوفير الأمن للمواطنين العاديين، بل ان هدفها الاول الترصد للنشطاء ومنعهم من القيام باي حراك يحرج السلطات. وفي شهر يناير الماضي بثت وكالة أنباء «رويترز» تقريرا طويلا حول انطلاق مشروع تجسس الكتروني اماراتي بادارة الامريكية لوري ستراود بعد ترك وظيفتها كمحللة استخبارات بوكالة الأمن الوطني الأمريكية. هذه السيدة التحقت بما سمي «مشروع ريفين» المكون من فريق سري يضم أكثر من 12 فردا من العاملين السابقين في الاستخبارات الأمريكية وذلك لمساعدة الإمارات العربية المتحدة في عمليات مراقبة حكومات أخرى ومتشددين وناشطين في مجال حقوق الانسان ممن ينتقدونها. وحسب تقرير «رويترز» كانت مهمة ستراود وفريقها استخدام ما تعلموه من وسائل خلال العمل عشر سنوات في عالم الاستخبارات الأمريكية لمساعدة الإمارات في اختراق هواتف أعدائها وكمبيوتراتهم. وقد انضمت ستراود للفريق من خلال شركة في ولاية ماريلاند تعمل في مجال الأمن السيبراني لمساعدة الإمارات في إطلاق عمليات اختراق إلكتروني، ولكن الإماراتيين نقلوا مشروع ريفين إلى شركة إماراتية تعمل في مجال الأمن الإلكتروني اسمها دارك ماتر. تكشف قصة المشروع ريفين كيف استغل متسللون سابقون في الحكومة الأمريكية أحدث وسائل التجسس الإلكتروني لحساب جهاز استخبارات أجنبي يتجسس على نشطاء حقوق الإنسان وصحافيين وخصوم سياسيين. ووفقا لتقرير رويترز فقد «استغل أعضاء الفريق ترسانة من الأدوات الإلكترونية من بينها منصة تجسس حديثة جدا تعرف باسم (كارما) يقولون إنهم تجسسوا من خلالها على هواتف الآيفون لمئات من النشطاء والقيادات السياسية وأفراد تحوم حولهم شبهات أنهم إرهابيون».

اما البحرين فلدى حكومتها باع طويل في التجسس على المعارضين وقمعهم بالاستعانة بخبراء اجانب. بدأت القصة باستقدام الضابط الاستعماري البريطاني ايان هندرسون في ابريل 1966 لإدارة القسم الخاص بجهاز الاستخبارات قبل الانسحاب البريطاني من المنطقة. واختير هذا الشخص بعد تجربته الطويلة في تعقب نشطاء حركة «ماو ماو» الكينية الذين قادوا عملا مسلحا ضد الوجود البريطاني في جبل كينيا آنذاك. وتجدر الاشارة الى اكتشاف بقايا جثة الناشط الكيني، ديدان كيماثي، الاسبوع الماضي بعد 63 سنة على قتله بأيدي عناصر جهاز هندرسون. اما التجسس الالكتروني من حكومة البحرين على المعارضين فقد ظهر الى العلن في 2014 بعد اختراق نشطاء حقوقيين موقع شركة بريطانية ـ المانية زودت حكومة البحرين بنظام «فين فيشر». وقد استطاع فريق الاختراق تحديد اجهزة كومبيوتر تابعة لثلاثة من المعارضين لاجئين في لندن، وحدثت ضجة إعلامية حول موضوع الاختراق الالكتروني من قبل حكومة البحرين. وبدلا من مراجعة سياساتها استمرت تلك الحكومة في توسيع دائرة تجسسها فاستعانت بشركة اسرائيلية لمساعدتها على اختراق نظام «واتس أب» بهواتف المعارضين وغيرهم. ويعتبر التطبيع الذي قامت به الدول الثلاث مع «اسرائيل» بوابة لتكثيف التجسس على المواطنين بوسائل الاختراق الإلكترونية. هذا التجسس لا يهدف لاستباق اعمال غير قانونية قد يقوم بها هؤلاء، بل انها رسائل للمعارضين بان الحرب معهم مفتوحة على كافة الجبهات والاحتمالات.

جريدة القدس