أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » هل اتفقت أمريكا والمملكة على تقسيم العراق
هل اتفقت أمريكا والمملكة على تقسيم العراق

هل اتفقت أمريكا والمملكة على تقسيم العراق

“مقدمة لتقسيم العراق.. الطريقة الوحيدة لرفع هيمنة الحكومة الطائفية الشيعية”.. بين هذين الوصفين دارت ردود الفعل على أنباء مناقشة سياسيين من سنة العراق في دبي لمشروع تأسيس “إقليم سني” في محافظات الشمال الغربي للبلاد (صلاح الدين – الأنبار – نينوى).

ويعتبر المشروع الذي كشفت وسائل إعلام عراقية عن مناقشته في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي أحد أكبر الأمور المثيرة للانقسام بين قيادات الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية السنية، وسط مؤشرات على تأييد أبوظبي والرياض له.

وتعود فكرة إنشاء الإقليم السني إلى عام 2004، عندما طرحها محافظ الأنبار “فصال الكعود”، وسمي حينذاك “إقليم المحافظات الغربية”، لكنه فشل ولم يلق آذاناً مصغية.

وعام 2011، توجه رئيس مجلس النواب العراقي وقتذاك “أسامة النجيفي” إلى واشنطن وطرح عملية لـ”فدرلة” المناطق الغربية، وضم محافظة ديالى إلى المشروع الذي طرحه “الكعود” عام 2004، وحصل على مباركة الإدارة الأمريكية، لكنه فشل لاحقا بسبب غياب التوافق السني حوله.

غير أن عودة طرح المشروع مجددا تزامنا مع الحراك الاحتجاجي في العراق، وتوجيه الولايات المتحدة ضربة قاسية لنفوذ طهران في بغداد بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري “قاسم سليماني” قرب مطار بغداد في 3 يناير/كانون الثاني الجاري، قدم مؤشرا على ملامح اتفاق ضمني غير معلن بين واشنطن والرياض على تمرير تأسيس الإقليم السني.

مشروع سعودي أمريكي

وإذا كان تأييد الولايات المتحدة للمشروع يعود إلى 2004، فإن المسؤولين الأمريكيين توقعوا نشوء حراك سياسي لتأسيسه منذ عام 2009، بحسب ما أورده “ريتشارد هاس”، مدير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، في كتابه “حرب الضرورة أم حرب الاختيار” الذي صدر في العام ذاته.

وتوقع “هاس”، في كتابه، أن يتم تقسيم العراق إلى 3 دويلات مع هيمنة إيرانية مباشرة على الجنوب العراقي، وانفصال منطقة كردستان (شمالي العراق) بعد إعلان استقلالها، وبقاء الشمال الغربي تحت سيطرة السنة.

وفي ظل التحالف الواضح بين الإمارات والسعودية، تعد استضافة دبي لمناقشات مشروع الإقليم السني إشارة واضحة إلى دعم الرياض له.

ومن هنا جاء ترويج النخب الموالية للمملكة للمشروع في وسائل الإعلام المختلفة، على نحو ما عرضه الأردني “يوسف علاونه”، عبر تويتر، حين دعا إلى إنشاء إقليمين عربيين في العراق، أحدهما سني والآخر شيعي، جنبا إلى جنب مع الإقليم الكردي القائم فعلا في الشمال “بما لا يتعارض مع الدستور العراقي”، بحسب قوله.

ويستند “علاونة” في إشارته الأخيرة إلى نص دستوري يتيح للمحافظات طلب “الحكم الفيدرالي” على غرار النموذج الكردي.

غير أن ضمان تنفيذ المشروع، بحسب “علاونة”، يحتاج إلى توافق الرياض وواشنطن بشأنه، على أن تتحمل الأخيرة المسؤولية الأخلاقية بشأنه بجانب قيادتها للتحالف الدولي.

تحد داخلي

وبينما ظل الإشكال الرئيسي أمام المشروع منذ طرحه هو المزاج العام السني نفسه، الذي يرفض –في أغلبه- مبدأ الفيدرالية منذ إقراره بالدستور العراقي عام 2005، فقد دفع استئثار الأحزاب الشيعية بالسلطة في بغداد على مدى العقدين الماضيين بعض قيادات السنة بالعراق إلى مراجعة طرحهم السابق، لكن دون الوصول إلى توافق.

من جانبه، يرى النائب عن محافظة نينوى، ووزير الزراعة العراقي السابق؛ “فلاح حسن الزيدان”، يرى أن الدعوات لإنشاء إقليم غربي فكرة صائبة وسديدة، مشيرا إلى “نقاش جدي داخل الوسط السياسي السني للشروع فيه”، وفقا لما نقلته صحيفة “القدس العربي”.

كما يؤيد النائب “حسن علو الجبوري” هذا التوجه، وهو ما عبر عنه بقوله: “نخشى أن يكون آخر العلاج هو الكي، وهذا ما يتجه إليه أغلب ساسة السنة (..) فبعد اليأس من إبعاد المخاطر عن البلاد لم يعد سوى اللجوء للوضع الخاص لإبعاد الخطر عن محافظاتنا، التي لم تعد تحتمل مخاطر أخرى من حروب ونكبات.

فاللجوء إلى الوضع الخاص (الإقليم) قد يكون هو الحل الأخير، بعد أن وصلنا مرحلة اليأس من الحلول الأخرى”.

في المقابل، رفضت جبهة “الإنقاذ والتنمية”، تشكيل إقليم سني على الإطلاق “لأنه يصطدم بقناعتها”، وأوضحت، في بيان، أن “المطالبة بتشكيل الأقاليم في الوقت الراهن ليس مناسبا”، مبدية “كل الحرص على نجاح الحراك الشعبي، وتعزيز منهجه الوطني، دون إثارة قضايا يمكن أن تشكل نقطـة تجاذب”.

ويعني ترؤس “أسامة النجيفي” (مقدم مشروع الإقليم السني للإدارة الأمريكية) للجبهة أن تغيرا طرأ على موقفه بشأن مشروع الإقليم السني تحت ضغط الحراك الاحتجاجي من جانب وعدم توافق السنة أنفسهم على المشروع من جانب آخر.

وفي الإطار ذاته، جاء رد رئيس مجلس النواب العراقي “محمد الحلبوسي” على إعادة طرح المشروع مجددا، مغردا عبر تويتر: “رسالتي إلى مخلفات العملية السياسية من (الخَرِفين).. لا تزايدوا على المؤمنين بوحدة العراق وشعبه، الذين يملكون من الوطنية ما لا تملكونه”.

ووجه رئيس البرلمان العراقي، رسالة إلى معارضيه قائلا: “لا تحاولوا أن تجدوا لأنفسكم (شأنا) بتصريحاتكم ورسائلكم، فلم يبقَ لكم قدر سوى روائح فشلكم التي أزكمت أنوف الشعب”.

اتفاق أمريكي إيراني؟

وبإضافة أن موقف إيران بالعراق كان مؤيدا لفكرة الفدرلة منذ عام 2005، عندما دعمت طهران دعوة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بقيادة “عبدالعزيز الحكيم” إلى تكوين إقليم جنوب العراق ووسطه، ذي الغالبية الشيعية، يمكن استنتاج أن طهران ربما لن ترفض مشروع الإقليم السني غربي العراق.

صحيح أن مشروع الإقليم الشيعي فشل في حينه لوجود أطراف شيعية غير مؤمنة بالفيدرالية، وتحديداً حزب الدعوة الإسلامية بقيادة “نوري المالكي” و”التيار الصدري” بزعامة “مقتدى الصدر”، وأن إيران نفسها تخلت عنه بعد الخروج الأمريكي من العراق عام 2011 واصطفاف أصحاب القرار في بغداد مع طهران، إلا أن مستجدات الوضع العراقي بعد اغتيال “سليماني” قد تدفعها باتجاه قبوله مجددا.

هذا ما حذر منه الكاتب والنائب العراقي السابق “حسن العلوي”، عندما تحدث عن ترتيبات بين واشنطن وطهران لتقسيم العراق إلى أقاليم أولها سني في المحافظات الغربية، إضافة إلى الإقليم الكردي في الشمال، مشيرا إلى أن هذا التقسيم تم طرحه ضمن صفقة الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني الذي تم توقيعه عام 2015.

و”العلوي” هو كاتب وصحفي شيعي بارز له العشرات من المؤلفات الخاصة حول الوضع السياسي في العراق بحكم انتمائه إلى المعارضة العراقية قبل 2003 ولديه صلات واسعة مع كل الأحزاب والقوى السياسية والدينية العراقية، وكان نائبا في مجلس النواب عن التيار الصدري خلال دورته السابقة، ويركز في كتبه وطروحاته على الانتماء العربي لشيعة العراق وضرورة إبعادهم عن الهيمنة الإيرانية.

وفي هذا السياق، انتقد “العلوي” الزعماء السنة الساعين لإقامة الإقليم الغربي، واصفا إياه بأنه “سيولد ميتا وليس فيه مقومات الحياة لعدم وجود موارد لديه وانعزاله وسط الصحراء”.

صفقة القرن

ويعزز ما ذهب إليه “العلوي” تقرير عرضته شبكة روسيا اليوم، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يكشف وجود مخططات أمريكية سعودية لإيجاد وطن بديل لملايين اللاجئين الفلسطينيين، في صحراء الأنبار العراقية، ضمن إطار خطة التسوية الشاملة بالشرق الأوسط، المعروفة إعلاميا بـ “صفقة القرن”.

وأكد التقرير أن استمرار الوجود الأمريكي غربي العراق يهدف، بحسب مراقبين، إلى تنفيذ مخططات تتعدى إنشاء قواعد عسكرية، وذلك وسط الحديث عن رغبة في إنشاء وطن بديل للاجئين الفلسطينيين في صحراء الأنبار.

ويمثل موقف وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عنصر الحسم في ترجيح سيناريو المشروع الإقليمي السني المطروح، خاصة بعدما أعلن الناطق باسم وزارة الدفاع الأميركية “جوناثان هوفمان”، في 16 يناير/كانون الثاني الجاري، أن المسؤولين في واشنطن يجرون اتصالات مع السلطات العراقية لاستئناف عمليات الجيش الأمريكي، وإنه ليست هناك حاليا أي خطط للانسحاب من العراق.

وإذا كان طهران على استعداد لغض الطرف عن الإقليم السني، فربما يكون البنتاجون على استعداد للدفع في هذا الاتجاه، بحيث يتم تشكيل الإقليم ضمن صفقة أمريكية إيرانية سعودية تقضي بانسحاب القوات من الأمريكية من العراق.

أما إذا رفضت إيران المشروع، فإن القوات الأمريكية ربما تبقى في العراق لتأمين تشكيل الإقليم المزمع في إطار صفقة القرن، وهو ما ينذر بمواجهات عسكرية بين الطرفين على الأراضي العراقية، وهو ما قد يعني في النهاية تقسيم العراق بشكل فعلي إلى شطرين أحدهما يخضع للهيمنة العسكرية الإيرانية، والثاني يضخع للهيمنة الأمريكية السعودية.

فمع تأسيس الإقليم السني في المحافظات العراقية الغربية، فإن المناطق الشيعية في العراق، التي تشمل الوسط والجنوب، سوف تندمج بشكل فعلي مع إيران، وسوف يتم إلغاء الحدود عمليا بين البلدين، خاصة مع نظر إيران إلى العراق الشيعي باعتباره عمقا استراتيجيا لها في مواجهة الإقليم السني المدعوم عربيا، وفقا ما جاء بتحذير “العلوي”.

وسوف تكون التطورات التي سيسفر عنها الحراك الاحتجاجي عامل ترجيح أساسي في هذه السيناريوهات، باعتبار أن الكثير من العراقيين لا يزالون يؤمنون بمشروع وطن واحد ونظام سياسي غير قائم على المحاصصات القومية والطائفية، وهي المطالب التي يهتف بها المحتجون دون استجابة حتى الآن.