أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » ينتهك ولا يُحاسب.. “The Baffler” تنتقد نفاق واشنطن في محاسبة “النظام السعودي” على جرائمه
ينتهك ولا يُحاسب.. “The Baffler” تنتقد نفاق واشنطن في محاسبة “النظام السعودي” على جرائمه

ينتهك ولا يُحاسب.. “The Baffler” تنتقد نفاق واشنطن في محاسبة “النظام السعودي” على جرائمه

انتقدت مجلة “The Baffler” الأمريكية نفاق الإدارات المتعاقبة في واشنطن في محاسبة النظام السعودي على جرائمه.

وقالت المجلة إن انتهاكات ولي العهد محمد بن سلمان تمر بلا محاسبة لأن “النفاق الأمريكي” في التعامل مع حُكام السعودية كان سمة غالبة على جميع الرؤساء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وأشارت إلى ابن سلمان روج طويلا للإصلاح والتغيير في المملكة عبر رؤية 2030 وتدشين عهدا جديدا في السعودية وذلك بما يتضمن قائمة طموحة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي يتعين تحقيقها بحلول ذلك العام.

وكان السماح للنساء بقيادة السيارة أحد التغييرات التي اقترحها ولي العهد – والتي تم تنفيذها الآن كما أنهى الحظر الذي فرضته البلاد على دور السينما والحفلات الموسيقية العامة.

وبشكل أقل رمزية، وعد ابن سلمان بكبح جماح الشرطة الدينية القوية وإعادة المملكة إلى “إسلام معتدل ومتوازن” كما كانت هناك خطط لتنويع الاقتصاد وتحويل المملكة إلى مركز للتكنولوجيا الفائقة وصديق للمستثمرين لرأس المال العالمي.

عندما وصل ابن سلمان إلى السلطة في عام 2017، وهو في الحادية والثلاثين من عمره، قلب خط الخلافة التقليدي وقد تناقض نهجه العملي منذ توليه منصبه تناقضا حادا مع التزايد البطيء لرؤساء الدول المسنين الذين حددوا العقود السابقة، مما دفع البعض إلى الأمل – أو القلق – في أن التغيير الحقيقي بات وشيكا.

ثلثا سكان المملكة هم دون الخامسة والثلاثين. كما أن أعدادا كبيرة منهم، الذين يتمتعون بالذكاء التكنولوجي والتعليم العالي، عاشوا أو درسوا في الغرب، وكثيرا ما كانوا يغضبون في ظل المعايير الأكثر تحفظا في بلادهم, لكن في الوقت نفسه، كان ابن سلمان يفكك بهدوء هياكل السلطة القديمة.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، استدعى ما يقرب من أربعمائة من أفراد العائلة المالكة ورجال الأعمال والوزراء الأكثر نفوذا في المملكة إلى فندق ريتز كارلتون في الرياض, ولدى وصولهم، وجد “الضيوف” الفندق فارغا من الزبائن، وحل محله كادر من المساعدين الملكيين الذين أخذوا هواتفهم المحمولة وفصلوهم عن موظفيهم, وتحول الفندق الفاخر إلى موقع للاستجوابات والتعذيب، حيث احتجز العشرات قسرا لعدة أشهر.

وبعد أن وصف محمد بن سلمان هذا الانقلاب الفعلي بأنه حملة على الفساد، استولى على الأصول وألغى الألقاب، مما أدى إلى قلب العديد من التحالفات الطويلة الأمد بين القطاع الخاص والدولة – مما زاد من تركيز السلطة بيديه.

وأعقب قضية ريتز كارلتون المزيد من الاعتقالات: اعتقال زملائه الأمراء والأئمة “المعتدلين” والناشطين السياسيين والأكاديميين المعروفين، فضلا عن العديد من الشخصيات البارزة في حركة حقوق المرأة.

في الواقع استفاد ابن سلمان من مصدرين قديمين وحاسمين للدعم الأمريكي: الدعاية ورأس المال.

وكانت وسائل الإعلام باللغة الإنجليزية واحدة من أقوى الأدوات التي استخدمها بن سلمان لتأسيس أسلوبه الجديد في الحكم”، كما أشارت الأكاديمية السعودية مضاوي الرشيد في كتابها الأخير “الملك الابن: الإصلاح والقمع في المملكة العربية السعودية”.

اعتمد النظام السعودي على دعم القوى الغربية منذ نشأته. وعلى النقيض من ديناميكية الاستعمار وإنهاء الاستعمار التي شكلت الكثير من المنطقة، استعانت عائلة آل سعود بالفعل بالدعم البريطاني عند تأسيس الدولة القومية في عشرينيات القرن العشرين.

إن تاريخ التواطؤ الأميركي يمتد إلىوقت قريب ولكن هذا التاريخ لا يمكن أن يكون كذلك ففي عام 1931، اعترفت الولايات المتحدة بالمملكة المنشأة حديثا وحصلت على أول امتياز نفطي لها.

وعلى مدى عقود، كانت عائدات النفط مفيدة في ترسيخ هيمنة آل سعود والحفاظ عليها، وكذلك عدم رغبة الغرب في مواجهة انتهاكات النظام لحقوق الإنسان.

في عام 2018، حتى أولئك الذين يرغبون في الاعتراف بعيوب ابن سلمان – ميله إلى الاعتقالات الجماعية، ونزعته الأحادية المتهورة – تحوط انتقاداتهم في افتراض ساخر بأن السعودية لا يمكنها أن تفعل ما هو أفضل.

وتشير الرشيد إلى أن “حتمية القمع” “أمر مسلم به” من قبل الأكاديميين والنقاد. وزعموا أن الاستبداد وحده هو الذي يستطيع اختراق التيار المحافظ الراسخ للطبقة الحاكمة في المملكة، والذي يفترض أنه امتداد لـ  “الثقافة العربية” القمعية.

ومع ذلك، نادرا ما تمتع المعتذرون الغربيون عن الطغاة في الشرق الأوسط بهذا النوع من الكماليات التي كافأ بها ابن سلمان معجبيه.

كان النفاق الأمريكي في العلاقات السعودية تاريخيا شأنا بين الحزبين، وصاغ حول المصالح المالية و”التعاون الاستراتيجي” في قضايا مثل الحرب الباردة والحرب على الإرهاب وقد أثبتت هذه العلاقات أنها دائمة على الرغم من الضغوط الدورية، كما حدث في أعقاب الحظر النفطي الذي فرض في عام 1973 أو في 11 أيلول/سبتمبر.

وكانت الرياض المحطة الأولى في زيارة باراك أوباما الافتتاحية إلى الشرق الأوسط وخلال فترة ولايته، أشرف الرئيس على مليارات من مبيعات الأسلحة إلى المملكة، متكفلا بحصار اليمن.

وإذا انتهت علاقاته مع المملكة على صعيد متوتر، فإن ذلك يرجع إلى حد كبير إلى الاتفاق النووي مع إيران، واقتراحه بأن يتعلم الاثنان “تقاسم الجوار”.

أما بالنسبة لدونالد ترامب، فقد اشتهر بالقوادة للسعوديين منذ البداية، مما جعل الرياض محطته الأولى في الخارج بعد التوقيع على صفقة أسلحة بقيمة 110 مليار دولار، إذ أقامت العائلة المالكة احتفالا مبهرجا تكريما له مع حفل توزيع جوائز.

وخلال زيارته، امتنع ترامب عن ذكر حقوق الإنسان أو أحد مواضيع حملته الانتخابية المفضلة، الإرهاب الإسلامي.

وجاء أكبر ضغط على العلاقات الأمريكية السعودية خلال فترة ولاية ترامب خلال مقتل الصحفي جمال خاشقجي بشكل مروع.

وكان رد الولايات المتحدة على الجريمة فضيحة في حد ذاتها: دافع ترامب عن ولي العهد، وفصل مجتمع استخباراته، الذي وجد ابن سلمان مذنبا بجريمة القتل.

فهو لم يؤيد نفي ابن سلمان فحسب، بل ببغاء خط النظام السعودي على أن خاشقجي “عدو للدولة” مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين.

وبصورة جيدة، انتقد ترامب بصوت عال الإنفاق الهائل على الأسلحة في المملكة باعتباره صفقة أفضل من أن تخسرها، ولعب دورا في الأهمية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية في الشرق الأوسط، التي وصفها بأنها “مكان شرير وعدائي”.

وحتى النهاية، استخدم ترامب حق النقض لمنع محاولات الكونغرس لفرض عقوبات على ابن سلمان، وأشاد بالتناوب بالمملكة باعتبارها حليفا وتباهى بالأرباح التي سحبها من الخزائن الملكية.

وفي الحملة الانتخابية، نأى جو بايدن بنفسه عن ترامب، منادون المملكة العربية السعودية بالاسم.

وتعهد بايدن بضمان أن المملكة “ستدفع ثمن” مقتل خاشقجي و”جعلهم في الواقع منبوذين”. وقال في الذكرى الثانية لوفاة الصحفي: “اليوم، أشارك العديد من النساء والرجال السعوديين الشجعان والناشطين والصحفيين والمجتمع الدولي في الحداد ويردد دعوته للناس في كل مكان لممارسة حقوقهم العالمية في الحرية”.

كما وعد بايدن بإنهاء الدعم العسكري الأمريكي للهجوم السعودي في اليمن، الذي تصاعد إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

ومع ذلك، منذ توليه منصبه، رفض بايدن إجراء تغيير جذري في العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية.

وفي حين أوقف دعمه للعمليات الهجومية للمملكة في اليمن، أعاد تأكيد التزام الولايات المتحدة بمساعدة المملكة على “الدفاع عن نفسها” ضد الهجمات الإقليمية. ولا تزال معايير هذا الدعم “الدفاعي” غير واضحة.

وكان موقف بايدن من حقوق الإنسان أكثر تناقضا. وفي 19 كانون الثاني/يناير، أشار إلى خطط لنشر ملخص للتحقيق الذي تجريه أجهزة الاستخبارات الأمريكية في مقتل خاشقجي، وهي خطوة يبدو أنها تعطي بن سلمان وقفة.

في 10 فبراير/شباط، وعلى علم بنشر التقرير الوشيك، أطلق ولي العهد سراح الهذلول، الناشطة في مجال حقوق الشابّات التي كانت في السجن لأكثر من ألف يوم.

وقد حظيت التقارير عن تعرضها للتعذيب والاعتداء الجنسي باهتمام دولي؛ ومع استمرار عدم وضوح نوايا بايدن، بدا أن ابن سلمان كان حريصا على التخلص من الفضيحة البارزة. ومع ذلك، عند إطلاق سراحها، ظلت الهذلول تحت المراقبة وتخضع لحظر السفر.

وفي 26 شباط/فبراير، أصدرت إدارة بايدن التقرير أخيرا، ولم يفاجئ محتوياته أحدا. وكان جوهر الموضوع قد تسرب قبل نحو عامين، وردد فقط الإجماع العالمي: أن “السيطرة المطلقة لولي العهد على منظمات الأمن والاستخبارات في المملكة” جعلت من “غير المرجح جدا” أن يكون القتل قد وقع دون إذن ابن سلمان.

وأعرب العديد من النشطاء عن أملهم في أن يتبع قرار بايدن نشر الوثيقة حساب مباشر مع ولي العهد، ربما في شكل عقوبة وربما شجع ذلك المعارضة الصامتة التي لا تزال في المملكة وربما كبح بعض دوافع ولي العهد الأكثر جرأة.

لكن بدلا من ذلك، ترك بايدن ابن سلمان دون أن يمسه أحد، معلنا فرض عقوبات على عدد قليل من الجهات السعودية، في صدى غير دقيق لأوامر مماثلة أصدرها ترامب ضد سبعة عشر سعوديا، بمن فيهم مساعدون مقربون لإبن سلمان.

وبعد أن رفض بايدن معاقبة ولي العهد، رفضت المحاكم السعودية استئناف الهذلول، مؤكدة من جديد إدانتها بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.

إن قضيتي خاشقجي والهذلول تلوحان الآن في الأفق على الساحة السياسية السعودية. داخل المملكة، يخشى الناس من أن حتى تعليقاتهم الأكثر حذرا على الشؤون المجتمعية يمكن أن تفسر على أنها “ناشطة”، مما يبرر اتهامات بالإرهاب والاحتجاز لأجل غير مسمى.

كما يقبع النشطاء والمنشقون المشتبه بهم في السجن مع أمل ضئيل في الإجراءات القانونية الواجبة. في عام 2020، توفي الناشط الشهير المؤيد للديمقراطية عبد الله الحميد في السجن بعد حرمانه من الرعاية الطبية الطارئة.

وما تبقى من معارضة ذات مغزى هو إلى حد كبير في الخارج. ارتفع عدد السعوديين طالبي اللجوء بنسبة 318 في المائة بين عامي 2012 و2017، في حين توقع تقرير داخلي أمرت به الحكومة السعودية أن يرتفع العدد إلى خمسين ألفا بحلول عام 2030.

ومع ذلك، فحتى المنفى لا يضمن بالضرورة الحماية للسعوديين. في يناير/كانون الثاني، ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن أحمد عبد الله الحربي، وهو معارض يبلغ من العمر 24 عاما ويعيش في ملجأ في كندا، اختفى بعد زيارة للسفارة السعودية في أوتاوا.

ظهر الحربي مرة أخرى بعد أسابيع، داخل المملكة. وعاد حسابه على تويتر، الذي اختفى في فبراير/شباط، إلى الظهور مع صورة لافتة لإبن سلمان، ونظف أي إشارات إلى النشاط.

وأظهرت تغريدته الأولى صورة لتذكرة عودته، بتاريخ 7 فبراير/شباط، احتفالا بعودة الى الوطن. والآن، يخشى زملاء الحربي السابقون في الشتات أن يغذي النظام بمعلومات عن عملهم.

قضية الحربي أبعد ما تكون عن أن تكون فريدة من نوعها. وقد تعرض المعارض عمر عبد العزيز، المقيم أيضا في كندا، لتهديدات واختراقات من قبل عملاء الحكومة، وشاهد برعب النظام يعتقل العديد من أصدقائه وشقيقيه في محاولة للنفوذ.

وقد قاوم سعد الجبري، وهو مسؤول استخباراتي كبير سابق فر من المملكة في عام 2017 إلى تركيا، ثم كندا، المحاولات المستمرة لإعادته إلى الوطن، بما في ذلك سجن طفليه.

يبقى أن نرى ما إذا كانت إدارة بايدن ستنفصل بشكل مفيد عن الإيمان بـ “الشراكات الاستراتيجية”.

وكثيرا ما يواجه طالبو اللجوء الأقل شهرة تهديدات مماثلة، مع عدم توفر أي من الحماية الضعيفة التي توفرها الشهرة.

كان الدافع وراء الاحتجاج على مقتل خاشقجي جزئيا هو رعب النخبة الإعلامية التي اعترفت به كواحد منهم.

لقد ضمنوا أن موته سيذكر على أنه الرعب الذي كان عليه ومع ذلك، فإن عدم الكشف عن هوية (بعض) ضحايا ابن سلمان الأحدث عهدا لا يقلل من شراسة حملته الانتخابية، ولا من آثارها المدمرة على المستقبل السياسي للشعب السعودي.

ويجمع مراقبون على التحذير من أن إفلات ولي العهد العالمي من العقاب يضمن بقاء النشاط في المنطقة ميتا.

وقد أدى الغضب المستمر من وفاة خاشقجي إلى استمرار بعض الجهود الأخيرة في واشنطن لمحاسبة المملكة.

في 21 أبريل/نيسان أقر مجلس النواب “قانون حماية المعارضين السعوديين”، ردا على مقتل خاشقجي، مما حد من بيع الأسلحة الهجومية والدفاعية للسعودية.

وفي 25 مارس/آذار، وافقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على مشروع قانون يقترح منع ولي العهد من دخول الولايات المتحدة، على الرغم من أنه لم يتم التصويت عليه بعد.

كما استهدف مشروع قانون سابق اقترحته إلهان عمر, ابن سلمان مباشرة وأزعج العديد من الموالين داخل المملكة.

وكان وزير خارجية بايدن، أنتوني بلينكن، الذي أدان بشدة الحكومة السعودية في أعقاب وفاة خاشقجي مباشرة، قد دعا مؤخرا إلى إطلاق سراح الناشطة المحتجزة سمر بدوي خلال خطاب عام.

يبقى أن نرى ما إذا كانت إدارة بايدن ستنفصل بشكل ملموس عن الإيمان بـ “الشراكات الاستراتيجية” و”التوازن الإقليمي”، اللذين طالما أملى العمل الأمريكي في الشرق الأوسط، مدعومين بمليارات النفط والأسلحة.